الإبريز
04-04-2010, 03:26 PM
هذه القصة الواقعية ذكرها الشيخ سطام الشعيفاني في مطويته ( حياة عندما سرقت ) ..
حياة ..
كانت فتاة في عمر الزهور ، كالوردة التي تعطر من حولها بعبق شذاها ، و كالجوهرة التي تأسر الناظر بلمعان بريقها ..
كان يلوح لها أمل بالسعادة ، لكن الأمل تحول ألماً ، و الحياة المطمئنة وديعة ضُيعت ..
كان الماء الزلال بين يديها لو امتدت إليه لنالته .. لكنها اتجهت للسراب اللامع من بعيد ..
إنها قصة إنسانة سميت بـ ( حياة ) وبرغم أن الاسم يحمل بصيص النور إلا أن الظلام عاش في قلب صاحبته ، وكأنما هذا القلب دهليز موحش
لا تسمع فيه إلا صياح الخفافيش ..
أما الخوف من القادم فشعور محرق ..
حكت لي قصتها .. وقد انسكبت دمعات موهنات .. وكان أغلب حديثها نحيباً يحرق الفؤاد ..
سألتها .. لم ذبلت الوردة ؟! .. لم أغّبرت الجوهرة ؟! ..
بدأت تحادثني وهي على السرير الأبيض ..
كانت قلباً متقداً بالأسى و الأسف على ما مضى .. حملت كلماتها معانٍ تترجم الحسرة ..
كما أن الندم قد استولى على أحاسيسها و مشاعرها ..
حياة .. التي تبلغ من العمر ( 44 ) عاما انقضت بعيدة عن ما يرتضيه الله لعبده الذي خلقه ..
قد عاشت على أمل فسيح لم يكن إلا في مخيلتها و في أحاسيسها ..
وكانت كثيرا ً ما تردد في نفسها و لمن حولها بأن العمر فسحة طويلة ، وقد خُيل لها بأن المتع و الملذات هي السعادة ..
تقول :
" برغم ما أعيشه من تفريط إلا أني كنت أبعد ما يكون عن الظلمات المتراكمة .. كنت أعصي الله معاصٍ استهنت فيها ، و كانت في
نظري دقيقة هينة .."
حياة .. تزوجت من رجل .. و لم تزل في غفلتها لاهية ..
أنجبت منه ولداً لم تعطه شيئاً من اهتمامها ليكون مؤنسها في وحشة دنياها .. لأن الحياة في نظرها و إحساسها متع و ملذات لابد و أن تلبى ..
و كان زوجها يتحمل منها إهمالها حتى أتت اللحظة التي انفجر فيها .. وحدث الشقاق .. الطلاق .
و لم يكن هذا مقربها لله الذي حكم بأن الحياة المطمئنة بطاعته .. قال تعالى ( الذين ءامنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ..
تقول :
" كنت أبارز الله بالمعاصي و الآثام و تناسيت ضعفي و حاجتي إليه سبحانه .. فعاقبني .. لأني تهاونت في نظره إلي و مراقبته لي ..
و ما خلقني إلا لأكون خاضعة له .. " .
تزوجت (حياة ) من رجل آخر ..
و قد كان خط الرجعة قريباً من خطواتها .. وكانت على باب النفق المظلم و النور من حولها .. و لو كانت من الأوابين لكانت إلى موعود الله و رحمته
أقرب .. و الأواب وعده الله بجنة عرضها السموات و الأرض قال تعالى ( هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ) ..
لكنها دخلت النفق ..
و ابتلاها الله بزوجٍ لا يعرف لربه قدرا .. قال تعالى ( واعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه ) ..
و كلما تقدمت بخطواتها كلما بدأ صوت الحق يخفت في قلبها .. و كلما بدأ ملمح النور يختفي من ناظريها ..
قيّدها .. وكان يجبرها على فعل الآثام و الجرائم العظام .. و أنجبت ثلاثة من الولد .. وغدت أماً لأربعة ..
و أفلت شمس اللذة الزائلة و بقي منها الألم .. و هكذا كل معصية لله .. قال تعالى ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا .. ) ..
تناست ( حياة ) بأن للذنب عقوبة من أشدها الحرمان من الطاعة ..
صدرها ضاق بالحياة .. و قد كان العمر طويلاً بظنها ، و كانت تعيش على رغباتها لكن أصبحت تعيش على رغبات غيرها ..
حياة .. التي أوهنتها الهموم .. وتدافعت إليها الأسقام ..
فلا الزوج يهتم لحالها .. و لا الولد يحن لمن حملته ..
صُدمت .. عندما أخبرها الطبيب بأنها مصابة بمرض عضال .. السرطان .
أحرفها سكبتها الدمعة تلو الدمعة .. وقد أُوقد في قلبها جمرٌ من لظى التحسر ..
و لم تحادثني إلا لتسأل .. كيف أفعل لأتوب ؟! ..
لم يكن بمقدوري أن أعيد لها يوماً من أيامها ، و لا حتى لحظة من لحظاتها التي تعد بالثواني ..
و قد أيقنت بأن ..
الهوى .. الدنيا .. الشيطان
قد سرقوا من ( حياة ) حياتها ..
بشرتها بسعة رحمة الله .. قال تعالى ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ) ..
كما أنه سبحانه يفرح بتوبتها .. بل يبدل سيئاتها حسنات .. ولتوثق صلتها بربها في صلاتها ..
و أن تكثر من الصدقة لأنها تدفع السوء والهلكة ..
و لتفرح بأن حياتها لم تنقضِ على ما كانت عليه .. و الدنيا لا يُتحسر عليها ، لأن لذائذها منقطعة ، أما الآخرة إما لنعيم دائم أو لعذاب دائم ..
لكن يا حياة أقول لكِ ..
تبتدئ رحلتنا من أول أيام عمرنا ، ونأتي للدنيا و ما خلقنا الله إلا لنعبده .. نكبر و نكبر ..
فتتلاطم الأمواج التي تسعى لإضلالنا ..
منا من يثبت توفيقاً و هدايةً من الله ( وذلك الفوز المبين ) ..
و منا من يخسر الدنيا و الآخرة ( وذلك هو الخسران المبين ) ..
يا قلب .. إن كنت تشعر بنبض الحياة فكن منتبهاً للحظات التي تعيشها لكي لا تسرق منك ..
قال تعالى ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضراً و لا يظلم ربك أحداً ) ..
سطام الشعيفاني
sattam124@hotmail.com
حياة ..
كانت فتاة في عمر الزهور ، كالوردة التي تعطر من حولها بعبق شذاها ، و كالجوهرة التي تأسر الناظر بلمعان بريقها ..
كان يلوح لها أمل بالسعادة ، لكن الأمل تحول ألماً ، و الحياة المطمئنة وديعة ضُيعت ..
كان الماء الزلال بين يديها لو امتدت إليه لنالته .. لكنها اتجهت للسراب اللامع من بعيد ..
إنها قصة إنسانة سميت بـ ( حياة ) وبرغم أن الاسم يحمل بصيص النور إلا أن الظلام عاش في قلب صاحبته ، وكأنما هذا القلب دهليز موحش
لا تسمع فيه إلا صياح الخفافيش ..
أما الخوف من القادم فشعور محرق ..
حكت لي قصتها .. وقد انسكبت دمعات موهنات .. وكان أغلب حديثها نحيباً يحرق الفؤاد ..
سألتها .. لم ذبلت الوردة ؟! .. لم أغّبرت الجوهرة ؟! ..
بدأت تحادثني وهي على السرير الأبيض ..
كانت قلباً متقداً بالأسى و الأسف على ما مضى .. حملت كلماتها معانٍ تترجم الحسرة ..
كما أن الندم قد استولى على أحاسيسها و مشاعرها ..
حياة .. التي تبلغ من العمر ( 44 ) عاما انقضت بعيدة عن ما يرتضيه الله لعبده الذي خلقه ..
قد عاشت على أمل فسيح لم يكن إلا في مخيلتها و في أحاسيسها ..
وكانت كثيرا ً ما تردد في نفسها و لمن حولها بأن العمر فسحة طويلة ، وقد خُيل لها بأن المتع و الملذات هي السعادة ..
تقول :
" برغم ما أعيشه من تفريط إلا أني كنت أبعد ما يكون عن الظلمات المتراكمة .. كنت أعصي الله معاصٍ استهنت فيها ، و كانت في
نظري دقيقة هينة .."
حياة .. تزوجت من رجل .. و لم تزل في غفلتها لاهية ..
أنجبت منه ولداً لم تعطه شيئاً من اهتمامها ليكون مؤنسها في وحشة دنياها .. لأن الحياة في نظرها و إحساسها متع و ملذات لابد و أن تلبى ..
و كان زوجها يتحمل منها إهمالها حتى أتت اللحظة التي انفجر فيها .. وحدث الشقاق .. الطلاق .
و لم يكن هذا مقربها لله الذي حكم بأن الحياة المطمئنة بطاعته .. قال تعالى ( الذين ءامنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ..
تقول :
" كنت أبارز الله بالمعاصي و الآثام و تناسيت ضعفي و حاجتي إليه سبحانه .. فعاقبني .. لأني تهاونت في نظره إلي و مراقبته لي ..
و ما خلقني إلا لأكون خاضعة له .. " .
تزوجت (حياة ) من رجل آخر ..
و قد كان خط الرجعة قريباً من خطواتها .. وكانت على باب النفق المظلم و النور من حولها .. و لو كانت من الأوابين لكانت إلى موعود الله و رحمته
أقرب .. و الأواب وعده الله بجنة عرضها السموات و الأرض قال تعالى ( هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ) ..
لكنها دخلت النفق ..
و ابتلاها الله بزوجٍ لا يعرف لربه قدرا .. قال تعالى ( واعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه ) ..
و كلما تقدمت بخطواتها كلما بدأ صوت الحق يخفت في قلبها .. و كلما بدأ ملمح النور يختفي من ناظريها ..
قيّدها .. وكان يجبرها على فعل الآثام و الجرائم العظام .. و أنجبت ثلاثة من الولد .. وغدت أماً لأربعة ..
و أفلت شمس اللذة الزائلة و بقي منها الألم .. و هكذا كل معصية لله .. قال تعالى ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا .. ) ..
تناست ( حياة ) بأن للذنب عقوبة من أشدها الحرمان من الطاعة ..
صدرها ضاق بالحياة .. و قد كان العمر طويلاً بظنها ، و كانت تعيش على رغباتها لكن أصبحت تعيش على رغبات غيرها ..
حياة .. التي أوهنتها الهموم .. وتدافعت إليها الأسقام ..
فلا الزوج يهتم لحالها .. و لا الولد يحن لمن حملته ..
صُدمت .. عندما أخبرها الطبيب بأنها مصابة بمرض عضال .. السرطان .
أحرفها سكبتها الدمعة تلو الدمعة .. وقد أُوقد في قلبها جمرٌ من لظى التحسر ..
و لم تحادثني إلا لتسأل .. كيف أفعل لأتوب ؟! ..
لم يكن بمقدوري أن أعيد لها يوماً من أيامها ، و لا حتى لحظة من لحظاتها التي تعد بالثواني ..
و قد أيقنت بأن ..
الهوى .. الدنيا .. الشيطان
قد سرقوا من ( حياة ) حياتها ..
بشرتها بسعة رحمة الله .. قال تعالى ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ) ..
كما أنه سبحانه يفرح بتوبتها .. بل يبدل سيئاتها حسنات .. ولتوثق صلتها بربها في صلاتها ..
و أن تكثر من الصدقة لأنها تدفع السوء والهلكة ..
و لتفرح بأن حياتها لم تنقضِ على ما كانت عليه .. و الدنيا لا يُتحسر عليها ، لأن لذائذها منقطعة ، أما الآخرة إما لنعيم دائم أو لعذاب دائم ..
لكن يا حياة أقول لكِ ..
تبتدئ رحلتنا من أول أيام عمرنا ، ونأتي للدنيا و ما خلقنا الله إلا لنعبده .. نكبر و نكبر ..
فتتلاطم الأمواج التي تسعى لإضلالنا ..
منا من يثبت توفيقاً و هدايةً من الله ( وذلك الفوز المبين ) ..
و منا من يخسر الدنيا و الآخرة ( وذلك هو الخسران المبين ) ..
يا قلب .. إن كنت تشعر بنبض الحياة فكن منتبهاً للحظات التي تعيشها لكي لا تسرق منك ..
قال تعالى ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها و وجدوا ما عملوا حاضراً و لا يظلم ربك أحداً ) ..
سطام الشعيفاني
sattam124@hotmail.com