جمال الخيال
07-07-2005, 12:37 AM
بجانب نهر في العراق ، كانت هناك زهرة جميلة ،ذات ألوان زاهية ، تعطر من حولها بأطيب وأزكى النفحات، تلك الزهرة عاشت للناس ، تعطيهم ولا تأخذ منهم ، ترتوي من مياه النهر ، وتروي جلساءها الحب والجمال والصفاء والنقاء ، وكان من بين الذين يجلسون حولها رجل وزوجته وطفلتهما ، كانوا يجلسون في صباح كل عطلة أسبوعية بجانبها ، فيتناولون إفطارهم ، وكان لهم مكان تعرفه هذه الزهرة ، وهو ظل واسع بجانب شجرة كبيرة قريبة جداّ من تلك الزهرة، وكانوا يتحدثون عن الذكريات القديمة وعن طموحات العائلة والمستقبل الجميل الذي يرسمونه وينتظرهم في رحاب وطنهم العزيز العراق ، وكانت هذه الزهرة تحب تلك العائلة حباَ كبيراً ، فجميع أحاديثهم التي تسمعها منهم خالية من النفاق والكذب ، بل إن أكثر أحاديثهم عن السمو الإنساني ، والارتقاء الفكري ،وعن معالجة مشاكل الآخرين ، وكيف يصلحون بين المتخاصمين حتى أن هذه الزهرة كانت تتزين لهم قبل نهاية العطلة ، فكانت ترى صورتها في ماء النهر ، فتزيّن ألوانها ، وهكذا عاشت تلك الزهرة ، في جنة من الحب والصفاء والنقاء ، إلى أن جاءت الفاجعة الكبرى .ما بين يوم وليلة ، وفيما كانت تتزين تلك الزهرة لتلك العائلة ، وتترقب وصولها بقرب الشجرة ، إذا بنغمات الطقس تتبدّل، وصوت الطيور يتوقف، وصوت الرياح قد سكنه الصمت، انتاب الزهرة شيء من الحيرة ،وسألت نفسها ماذا جرى ! ما الذي حدث ! وبينما هي تفكر في الإجابة إذ دوّت إنفجارات قوية ، وبدأ بعد ذلك صوت القنابل والمتفجرات ، وصوت طلقات الرصاص من حولها ، خافت تلك الزهرة خوفاً شديداً على نفسها ،وعلى الناس الذين كانوا يجلسون حولها ، وخصوصاً تلك العائلة الطيبة التي أحبتهم ، تلفتت الزهرة يمينا ويسارا فلم تجد أحداً تسأله وتستفسر عما يحدث ، فنظرت إلى فوق .. وإذا بصديقها الطير الذي كان يسكن فوق الشجرة التي كانت بجانبها ،فقالت للطير : أرجوا أن تذهب إلى تلك العائلة التي دائما ما كانت تجلس بجانبي وتأتني بأخبارهم ، وكان الطير يعرف تلك العائلة لأنه كان يسكن في عش صغير فوق الشجرة التي كانت تظللهم ،وكانت طفلتهم تعطيه بعض الحبوب ليأكلها ، وفعلاً ذهب ذاك الطير للبحث عنهم وبعد حوالي ساعة من الزمن رجع الطير إلى الزهرة وكانت أجنحته ملطخة بالأوساخ ، وإذا به ينعي إلى الزهرة خبر وفاة تلك العائلة ، وكان سبب وفاتهم غارة جوية استهدفت منازل كثيرة ، وكان منزل تلك العائلة من بين المنازل التي دمرت ، صعقت الزهرة من هول الخبر، وكأن الدنيا اسودت في وجهها ،ثم سألت الزهرة ذاك الطير عن طفلتهم ، فأجاب بأنه لم يراها من بين القتلى ، فقالت لماذا لم تبحث عنها ؟ فقال الطير : إن دخان القنابل كثيف ولا أستطيع أن أرى شيئاً ، وبعد ذلك ذهب الطير إلى عشه في أعلى الشجرة متعباً منهكاً ، حزنت الزهرة على تلك العائلة حزناً شديداً ، وفيما هي غارقة في حزنها إذا بالطير المسكين يسقط من أعلى الشجرة ميتاً بسبب إختناقة من دخان القنابل والصواريخ الكثيف ، ومات بجانب الزهرة ، وبكت الزهرة بكاءاً مريراً ،وفيما كانت الزهرة تبكي على تلك العائلة وعلى صديقها الطير إذا بها تسمع صوتاً لم تعهده من قبل صوت لا يمت للحب والجمال بصلة ، إذا بها ترى دبابة مجنزرة ، اشمأزت هذه الزهرة من منظر الدبابة المريع فالتفتت إلى النهر ، وأخذت تتحسر على صورتها في مياهه،وكيف أصبحت أوراقها الجميلة شاحبة ملطخة بعدما كانت من قبل زاهية باهية ، وفيما هي كذلك إذا بها ترى بقعا كبيرة من الدم تجتاح مياه النهر ، فتألمت وحزنت على هذا الحال ، وكيف تغير وكيف غيّر الزمن جمالها وبهائها وزهائها ، وبينما هي غارقة في حزنها، إذا بها تسمع صوت الدبابة مرة أخرى، وفي كل لحظة يرتفع صوتها وضجيجها أكثر فأكثر ، وفي الأخير جاءت هذه الدبابة ودهست تلك الزهرة وهي في طريقها لقتل الأبرياء في العراق ،نعم لقد قتلت الدبابة تلك الزهرة الجميلة ، وبعد مرور أيام قليلة على رحيل الزهرة الجميلة ، تأتي طفلة شاحبة الوجة مقطوعة اليد ، تحمل في يدها اليمنى يدها الأخرى المقطوعة ، جاءت لتدفنها في مكان الذكرى الجميلة لوالديها ، مكان جلوسهم عند النهر وفيما هي تدفن يدها إذا بها ترى الزهرة الجميلة والطير المسكين قد ماتا بجانب بعضهم ، فبكت الطفلة وحملت الزهرة والطير ودفنتهما بجانب مدفن يدها في مكان جلوس عائلتها التي أحبتهما تلك الزهرة وأحبوها ، بجانب تلك الشجرة الكبيرة ، وكانت تلك الطفلة هي ابنة تلك العائلة الطيبة ، وبينما هي تدفن تلك الزهرة سالت دموع تلك الفتاة ، وتساقطت الدموع على مدفن الزهرة ، والتي دائماً ما كانت ترتوي من مياه النهر ، واليوم ارتوت بالدموع ، ورحل الطير الذي كان دائما يمتعنا بأنغامه، وبعد أن دفنت الزهرة قالت الطفلة : لقد رحل الحب النقي مع والداي ، ورحل الجمال مع الزهرة ، ورحلت النغمات الشجية مع الطير ،وبعد أن ذهبت مسافة ليست بالبعيدة التفتت إلى مدفن الزهرة بجانب النهر وقالت : وداعـــــــــــــاً زهرة بغداد .
رعـــــاكــــم اللــــه
لـورانس
رعـــــاكــــم اللــــه
لـورانس