الفراشة العجيبة
05-11-2006, 08:29 PM
شيء من سهر البارحة يلتف حول عينيه ، يتناول طعام إفطاره بلا شهية ، يرتشف قدحا من الشاي و ينظر إلى إفطاره تارة و إلى وجهها تارة أخرى ، يحس بصداع يكاد أن يفتت كل تفكيره و أحلامه من قلة النوم ، يمد يديه في الهواء و يبتسم رغم ارتخاء جسده هذا الصباح ، تجول به الذاكرة إلى عمق ليلة البارحة ، يتفحص مجرياتها غير آبه بوجودها أمامه ، تنظر هي إليه بدهشة دون أن تنطق بحرف واحد ، يشعر بوقع نظراتها على وجهه و يعدل من جلسته ، يلتقط قدح الشاي ، يرتشف منه رشفة طويلة ثم ينظر إليها ، يدرك في داخله أنها تخنق كما كبيرا من الأحرف تخاف من تعريتها على شفتيها ، لا يهتم بذلك فكثيرا ما يحس بذلك الإدراك و يتجاهله ، يتجه صوب غرفته ، يرتدي ملابسه و يدندن بأغنية قديمة ، يخرج نفسه من الدار بنفس كلمات تلك الأغنية رغم إحساسه بذلك الصداع الذي يفجر خلايا رأسه باستسلام ضعيف منه ، يقود مركبته إلى أقرب محل ليبتاع صحف اليوم و بعض المجلات ، يوقف مركبته و يترجل منها ، يدخل المحل و يبتاع صحيفته اليومية و مجلة أخرى ، يسمع صوتا هادئا من طفل لا تخلو عيناه من البراءة ، يفاصل البائع حول لعبة حواها بين يديه و قطعة حلوى كانت على الرف الفاصل بينه و بين البائع و لا يملك سوى ثمن لا يجمعهما ، يبتسم رغم ازدياد الصداع في رأسه ، يتجه إلى الطفل ، يربت على رأسه و هو مطوق بنظرات الاستغراب من عيني الطفل ، يدفع ما يسد حاجة الإثنتين جميعا للبائع بابتسامة نابعة من أعماقه ، يعود إلى مركبته و يتجه نحو الدار ، يفتح الباب و يجدها أمامه تحمل بقايا طعام إفطاره ، لم ينظر إليها و اتجه مباشرة إلى مجلسه ، أسند ظهره على المسندة و فرد صحيفته أمامه ، قرأها بشغف و كأنه يحاول الهروب من شيء ما ، تدخل عليه و بيدها الشاي المغلي بوريقات النعناع ، ذلك ما كان يعشقه دائما بعد وجبة الإفطار ، جلست بجانبه تتخطف ببصرها بعض أخبار الصحيفة يلمحها بغضب و تبعد رأسه عنها ملهية بصرها في إبريق الشاي تصب له قدحا من الشاي و تقدمه له ، يمد يده من خلف الصحيفة و يتناوله منها ، يحتسي نصفه و يبعد القدح عنه ، يعتدل في جلسته و كأنه تذكر شيئا ما ، ينظر إليها ثم يميل ببصره عنها و يقوم واقفا ، يتوسط بخطواته المجلس ، تصطدع الأفكار في رأسه فلا يستطيع أن يميز الخطأ من الصواب ، يعاود النظر إليها مرة أخرى و في نفسه عمرا طويلا بلا صراخ ، يفتح الباب الخارجي و يخرج ، تقوم من جلستها بسرعة ، تتجه نحو الباب الخارجي ، تفتحه بهدوء و تنظر إليه ، تسيل دمعتها على خدها فهي تدرك في نفسها أن يختنق كما كبيرا من الأحرف يخاف من تعريتها على شفتيه .