المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بكاااااااااااااء عمي.......إبراهيم النملة


الفراشة العجيبة
11-10-2006, 04:51 AM
قلت له :-
= أحمد الله أن لي قلباً يشع بياضاً ولا يهتم بصغائر الأمور وأملك بفضل من الله قدمان تسطران الأرض مشياً
وعقلاً لا يطرد ترسبات النعاس في عيني ، أنام مرتاحاً ومطمئناً …
نظر إلي باستهزاء وقال :-
= إذا ستموت جوعاً !!! …

" … إنه عمي وأعرفه جيداً ….
يعشق اللقمة الطرية المبللة بريق أبنائي … !!! "

تعب عمي من نفسه ، طاوعها حتى أصبح أسيرها …
إنها نفس عمي وأعرفها جيداً … لا تخضع للهدوء دون أن ترى دموع الآخرين !!! …
حملت تفكيري به ليلة البارحة ، أخاف عليه كثيراً من تصرفاته ، ولكنه ينظر فقط إلى وقائع ساعاته وحينما يرى قدماه تسيران ووجهه يبتسم ولقمته تصل إلى جوفه ينسى كل شيء …
كل شيء !!! …
بيني وبينه مسافات كبيرة خطيت معظمها وتاه هو في أولى خطواته …
أذكر مقولة أمي التي دائماً ترددها على مسمعي " اللي ما يخاف الله خف منه "
و صدقت مقولة أمي وكان لزاماً علي أن أخاف منه !!! …
لا أدري لماذا تقف تلك جملة على شفاهي كلما رأيت مشهد خطوات عمي ( الفلوس تغير النفوس )
وبكل أبعاد تلك الجملة لا تحمل سوى الصدق فوجدت نفسي تعيش تغير نفسه إلى الأسوء !!! …
هو يقف هناك … خلف سواد ينتشر في وجهه … وأنا أقف هنا خلف بياض باقي من وجه أبي !!!
وكانت المسافة بيني وبينه تحمل أكثر من حكاية … أكتب منها حكايات وأسقط منها حكايات …
وفي كلا الحالات … يظل الظلم أسماً يتردد خلف خطواته ويعيش في نفسي لأني ارتضيت أن أحمل أسم أبي في كل نداءاتي !!! …
لم يقل عمي لي شيئاً …
أستأجر لساناً يشبه لفظ لسانه ودلق منه كل كلمات صمته على مسمعي !!! …
وقال كل الكلمات … ورفض أن ينصت لقولي ، فجعلتُ وجهي مرآة لوجهه ، كشفت به تجاعيد وجهه ورسمتُ إنثيال السنين على جهده … ولم يفهمني عمي !!! …
لقد فقد السمع والبصر لتصبح نهاية المسافة بين عفوي وظلمه هي الموت !!!

وجهاً لوجه الحقيقة :-

بكى عمي حينما جرح إصبع أبنه …
لم يطأ النوم جفنيه ، نام أبنه ولم ينم عمي ، توجع فراشه من ألتواءات جسده ، وعندما أرتفع صوت أذان الفجر في سكون أخر الليل رمى لحافه الوثير وخرج لغرفة أبنه متع عينه بنومة أبنه العميقة …
غمر النور وجه الظلام ، لبس عمي لباسه وخرج إلى مكتبه دون أن تمضغ أسنانه شيئاً …
وفي مكتبه البارد والمفعم برائحة سجائره أنتظر أن ينتصف الصباح وأن الوقت مناسباً لأفاقة أبنه ، رفع سماعة الهاتف وأتصل عليه ، صوت أبنه كان مطمئناً لقلقه ، تنفس الصعداء بعدما أغلق السماعة ….
ولم أكن أنا أبنه !!! …
لقد جفف أيامي حتى أودعها خلفه يابسة !!! …
طاردني ليقتنص منى فمي بسمة قيلت له إنني قد علقتها بوجه الحزن في يوم من الأيام !!! …
لقد تشبع عمي بنظراته لكل ما أملك … ولم تشبعه لقمتنا التي أودعها جوفه وأوقف بها ألم إصبع أبنه !!! …
لقد قال عمي بإصرار وعناد :_
= لم أطمع بلقمة أخي رحمه الله التي تركها لأبنائه ، ولكن جوع أبنائي دفعني لذلك …
= ولكنك تمتلك من الشبع ما تشبع أبنائك دون أن تفعل ذلك …
= ولكني أشتهيها !!! …
= وهل سيسمحون لذلك أن تأكلها أنت وأبنائك أو حتى تشتهيها ؟!!! …
سرح بنظراته نحو نافذة مكتبه المفتوحة لتطرد رواسب رائحة سجائره وقال :-
= دعهم أمامي … سأجعل لخطواتهم ألف شلل وشلل ، لن يستطيعوا أن يتقدموا خطوة واحدة وأن لايترجعوا … - أصر على أسنانه وأشار بإصبعه على صدره وأكمل :-
= إنها لقمتي !!! …
وبآت كل أقواله إلى الاندثار …
تقدمنا خلف كلماته خطوات حتى سبقناه …
حينها وقف خلفنا … علق نظراته على أقدامنا ونسى أن يرفع رأسه !!! …
فغبار خطواتنا قد التصقت ذراه بوجهه سواداً …

صـيـف مـخـتـلـف :-

لم يسافر عمي منذ شهور !!! … ترك كل شهور السنة هنا … وترك معها وجهه وكلماته التي لم أعرفها وعشتها حينما ترك مدينة هجرته وحلم بلقمتنا !!! …
في البداية قال لأبنائه أنها لقمتنا … صدق أبنائه قوله وصدق هو ما صدقه أبنائه !!! …
وكان هذا الصيف المختلف !!! …
تقبلت نعومة جلده شمس الرياض ووجوه لا يرغب بها …
تعب وأسود وجهه ولم ينام الملل في قلبه … قال في حديث عابر لمساء عابر :-
= سأسافر إلى مدينة هجرتي ، وسأضم ليلها وأغمض عيني عن نهارها ، وسأرسم ابتسامتي على وجهي ، سأقول كل شيء فقط حينما أضمن أن في ثلاجتي لقمتي التي تركها أخي لي !!! …
لقد كان عمي كبيراً … كبيراً في نفسي حينما كنت أوزع نظراتي بين وجهه ووجه أبي – رحمه الله-
وبعدما دفنت جسد والدي فسخ عمي كبره في عيني وأطلق جسده للهواء الذي سافر به بعيداً وأستقر به المطاف عند وجوه لا أعرفها وعاد منها بعدما أستأذن منها ليأخذ لقمتي ويعود بها سريعاً إليهم يفرشها أمامهم ويطعم منها أبنائه …
وكنت أنا … أحمل لقمتي التي تحمل رائحة عرق أبي بكلتا يدي …
لتعيش لقمتي في داري … في مدينتي … ويضرع عمي جوعاً في بساتين نعيم مدينة هجرته !!! …
لم يقل عمي أنه صيفاً مختلفاً … فهواء تكييف مكتبه يبعث له شيء من أجوائه حينما أخذ عمي كل شهور السنة هناك !!! …

لقد سرق عمي !!!

أنا وهو جسدان متناقضان …
بروز السنين في تجاعيد وجهه يصغره كثيراً أمام الكلمات التي ستقال عنه غداً !!! …
أتعجب منه … له قدرة فريدة في الاستيلاء على بسمتي !!! …
خلف ظهره تباع البسمات بسعر زهيد وأمام وجهه يقل عرض البسمات حتى النفاذ !!!…
يأتي كل صباح ، يمر من دارنا ، يدس أنفه من فرجة الباب ويشم رائحة فطورنا ، وحينما يشبع من رائحة فطورنا يتمنى أن يلاحقنا جوع الأمس الذي لاحقه كثيراً !!! …
يقول لكل من يصادفهم في عودته من دارنا أنه أتى بعدما أشبعنا ، ويحكي لهم تفاصيل رائحة فطورنا ، يصدقه من يخافه ويستنكره من يعرف حقيقته ، ولا يبال هو باستنكار الآخرين لكلامه
يكفيه انه يصدق ما يقول !!! …
قالوا جيرانه :-
= أنه لا ينام ليلاً حينما يرى النور الباهت يطفيء شيء من الظلام من نافذة دارنا ، يتوقع أن هناك شيء ما يحاك ضده ، يقلب ظنونه ويرسم عقله في عقولنا !!! …
ونحن لا نعرف عنه سوى أسمه ، كبر باحة داره تجعل من المستحيل أن نشم طعامه …
نتركه وشأنه ، نسمع خطواته كل صباح أمام سور دارنا ولا نبال به ، نتركه يشم كل ما يريد ونعرف يقيناً أنه سيرحل يحمل من رائحة دارنا كلمات يقولها لكل من يخافه ومن يستنكره !!!…
لقد ملت منه السنون ، عصفت به الأيام على كل جانب وعاندها ، غُذي بطول عمر ونسى الموت !!! …
قالوا له :-
= ليس للإنسان سوى عمله وكلمات تقال بعد رحيله … فمن يفوز بقول الناس ؟!!! …
لا يهتم كثيراً بتلك الأقاويل يؤولها إلى الضعف وقلة الحيلة ويمشي في الطرقات مختالاً فخورا
لا أنكر أن راحتي وسكون فكري في موته ، تارة أتمنى أن يموت وتارة أتمنى أن لا يموت حتى يرى غسيل يديه في وجوه كل البشر ووجهي !!! …
قال أنه لا يعرفني ، استنكروا قوله ، ووضع يده بين سور المصحف وأقسم !!! …
وقلت أنا أنه يعرفني ووضعت يدي بين سور المصحف وأقسمتُ !!! …
وبين قسمي وقسمه كانت جدي حاضراً في أذهان الناس ومكتوباً في نداءات الناس !!!…
قبل أن أولد أنا كان هو يعمل في مطار الرياض القديم ، يغسل ملابس من لا يعرفون شمس نجد ويلمع بلاط خطواتهم ، لقد بكى أمام أبي وطلب منه أن يقسم أن لا يقول لأهل القرية التي تركها أنه يعمل هذا وأن يستبدل أبي أجابته لسؤال أهل القرية عنه بأنه موظف في المطار ولم يضع أبي يده في بين سور المصحف ويقسم ، فعرف أهل القرية حقيقته وبكى هو معرفة أهل القرية لحقيقته !
منذ صغره كان يمارس الكذب ليلبس ثوباً لا يتناسب مع تفاصيل جسده !!! …
أنه عمي … أعرفه جيداً من اشتهاءه للقمة أبي !!! …
وهذا أنا كتب علي الزمن أن أعيش وجهه وكلماته وأتحسب لخالقي بوجوده !!!…
كان أبني يلعب بلعبته أمامي … لا أعرف لماذا جاء وجهه إلي وأنا أشاهد أبني … همستُ بداخلي لأبني :-
= أنه يريد أن يحرمك هذه البسمة ، وتغمره الفرحة حينما تضع يدك على جوفك تشتكي فراغه
نظر إلي أبني وقال لي مبتسماً :-
= أبي أنظر إلى لعبتي … أضغط عليها من هنا وتسير لوحدها …
ضحك بصوت عال حينما ضغط على لعبته وسارت لوحدها حينها تمنيتُ أن أنسى وجهه وأعيش في لعبة صغيري !!! …
أمي تعرفه جيداً ولا تتذكر منه سوى الظلم !!! …
كانت تقول لي :-
= منذ صغره كان يريد كل شيء لوحده لقد سرق في يوم من الأيام تمرة أبيه لأنه اشتهاها !!!…
لقد سكنتُ معه وسكن معي … وتعاهدنا أن لا يرى ابتسامتي التي تؤلمه و أن لا أقول له عن صلاح حالي !!!
لقد عاش بكل ما فيه ، ولم يقل لي الصباح عن مساءه شيئاً !!! …
وعشتُ أنا بكل همه وظلمه ولم أقل للآخرين عنه شيئاً … تركتُ أمري لله سبحانه وتعالى وقرأت لنفسي من آيات الله الكثير وأستقرت نفسي في ضخم توجعاته ونظراته !!! …

أنه عمي … ويحمل أسم أبي :-

ركض عمي خلف سنين شبابي ، يبحث عن مخرجاً لسنين مشيبه وتوهم المخرج في شبابي !!!
لم يرحم نفسه ، ولم يترك لتجاعيد وجهه إحتراماً في عيون الآخرين ، تلبس سواد الأرامل في وجهه ولهث خلف أقدامنا !!! …
لقد علمني عمي كل أنواع الحزن … ليس على لقمتنا فحسب ولكن على جشعه !!!
لقد تركت له كل شيء … كما ترك أبي – رحمه الله - لنا كل شيء …
أروى ظمأه من تدفق الماء من صنبور دار أبي …
وحمل وجهاً يردد به لسانه أنه أخو أبي …
وقال عن نفسه ما كان أبي يفعله …
تمجد عمي كثيراً حينما نطق الآخرون أسم أبي أمامه …
تعب عمي في أن يجد مكاناً بجانب مكان أبي … فكل الأماكن تحمل بقاء أبي – رحمه الله –
وقررت أن أشبع جشع عمي وأعزف له كل سمفونيات حزني وعذابي … لن تشبعني لقمة أبي الكبيرة وجشع عمي يطاردها … ولن ألتهمها وعيون عمي لا ترسم أمامها سواها !!! …
سأخذ لقمة أبي لغيرنا … فخلفنا وجوهاً تشبعها فقط النظر للقمة أبي …
ولن أبكي بضياع لقمة أبي … فيكفي لدموع عائلتنا أن تدمع عين عمي لها !!! …

فـقيـر
11-10-2006, 07:32 AM
الله ,,

غريبـ.ـه ورائـعه ,,

يعطيكـ العافيه .

الفراشة العجيبة
13-10-2006, 03:26 AM
فقير.............

رائع بتواجدك..........بردودك .........بإسلوبك

شكرا لك