جمال الخيال
11-06-2005, 07:27 PM
حينما كنت في المدرسة الابتدائية ، كنت أتفوق على زملائي ، وعلى تلاميذ المدرسة ، حيث كنت لا أرضى بغير التفوق لي في كل مجال أدخله في هذه الحياة البائسة ، وذات يوم جاء مدير المدرسة ووزع علينا دعوات لأولياء أمورنا لأننا طلاب متفوقين في المدرسة ، أخذت الدعوة ، وفيها دعوة من المدرسة إلى والدي رحمه الله ، قرأتها وذرفت دمعة مني على أحرف تلك الورقة ، فأين أنت ياوالدي .. وأين لورانس .
أخذت الدعوة ووضعتها في حقيبتي ، وحينما هممنا بالخروج من المدرسة ، رأيت زملائي التلاميذ ، والكل والده ينتظره في سيارته ، ليركب معه ، إلا لورانس فقد كان السائق بانتظاره ، وقبل أن أركب إلى السيارة ، أنظر نظرة ثاقبة إلى أولئك الزملاء يبتسمون لوالدهم ، ووالدهم يبتسم لهم ، وبعد ذلك أركب السيارة ، ودمعتي أحبسها عن ذاك السائق كي لايراها ، فينقل أخبار لورانس إلى والدته ، ليصيبها بعض الحزن على ما أصاب إبنها لورانس .
وبعد مضي بضع من الوقت ، تقف السيارة عند الإشارة الحمراء ، فأنظر إلى السيارات التي حولي ، لعلها تغير بعض المناخ القاتم على نفس لورانس ، وفعلا انظر إلى اليمين ، فإذا بي أجد والد أحد الزملاء يقرأ الدعوة التي ناولها له إبنه ، فيبتسم ويضحك له ، ثم يطبع على جبين إبنه قبلة حارة ، كان لورانس في أشد الحاجة إليها ، وأرى الابتسامة تحيط بالوالد وإبنه ، والهدوء كأنه عنوان حياتهم ، والأمان الذي يشعر به ذاك الزميل مع والده ، فانظر إليهم فيلسعني الحرمان ، ويكويني الفراق عن والدي ، فأهرب من هذا المنظر القاهر ، فألتفت إلى الناحية اليسرى ، فأنظر إلى زميلي الآخر ، يضحك هو ووالده ، فأنظر إلى السماء ، فأدعوا الله أن يهنيهم في نعمتهم ، وأن يغفر لوالدي رحمه الله .
أعود إلى المنزل ، فأدخل إلى المنزل لتستقبلني غربتي ، وأذهب لأسلم على والدتي ، وأزرع قبلة على جبينها ، لأعوض قبلة ولي أمر ذاك الزميل التي طبعها له والده ، بعد ذلك أصعد إلى غرفتي ، فأضع حقيبتي ، وأنظر إلى صورة والدي ، وأقدم له الدعوة التي تسلمتها من مدير المدرسة ، فلا أجد إلا الصمت يغزوني أمامه ، فيا ترى .. هل والدي سعيد بتفوقي ؟ أم انه حزين على دموعي ، وفي الأخير .. تذرف من لورانس دموع لا يعرف من أين جاءت .. ولكنه يعرف إلى أين تذهب .
وتأتي الطامة الكبرى .. فيأتي الإحتقال بتكريم أولياء أمور الطلاب المتفوقين ، والتكريم سيكون مساء اليوم ، وأنا الآن في المدرسة ، وأسمع الزملاء من التلاميذ ، الكل يقول : سأحضر أنا ووالدي اليوم ، والآخر يقول : لقد وعدني والدي بهدية بعد حفل التكريم ، وبعضهم يقول : إن والدي سيأتي هو وعمي لأنهم فرحين بتفوقي ، وأنا جالس على هذا الكرسي أستمع .. نعم أستمع إلى تلك النغمات التي تشعل في قلبي الأمنيات العذبة .. ولكنها قاهرة جدا جدا .. في هذه الحياة البائسة .
والآن .. جاء حفل التكريم .. كل تلميذ وزميل ، يأتي بصحبة والده ، وأنا يحضرني السائق ، فلا أنزل .. وإنما أمتع عيناي في النظر إلى كل زميل وهو ينزل من سيارته ، ويدخل إلى المدرسة وبرفقته والده ، أنظر وأنظر وانظر .. ثم تخرج من نفس لورانس تنهيدة ترافقها نغمات الحرمان المؤلم والذي يجتاح كيان لورانس ، بعد ذلك أنزل من السيارة ، وأدخل إلى المدرسة ، وأنا في الطريق إلى قاعة الإحتفال ، أنظر إلى زميلي ومعه والده ومعهم مدير المدرسة ، أرى والده يتناقش مع مدير المدرسة ، فانظر إليهم ، فأحاول أن احبس دموعي كي لا تفضحني أمامهم ، فأنظر من ذاك المنظر القاهر إلى قاعة الإحتفال ، وكم كنت أتمنى أن أكون آخر الزملاء الذين يجلسون ، ولكن المصيبة أن لورانس هو الأول على مستوى المدرسة ، فهو صاحب الكرسي الأول ، فأجلس من بين الزملاء ، وأسمعهم يقولون لبعض .. أنظر ذاك هو والدي .. والآخر يقول .. ذاك الذي في اليمين هو والدي ، فاحبس دموعي ، فأنظر إلى الذين أمامي من الحضور ، فإذا بهم جمع غفير من أولياء أمور الطلاب ، وكأنني ألتفت وأنظر إليهم فأبحث عن والدي من بين الحضور ، فلا أنتبه لكلمة مدير المدرسة ، ولا لكلمة المرشد الطلابي ، ولم أنتبه لأحد حتى ولو ذكروا إسمي .. فلن أنتبه ، لأني مشغول بالبحث عن والدي من بين الحضور ، فأنا الآن أشاهد لمجموعة من أولياء الأمور وكأنها صورة تاريخية أراها في كل عام .
وفي خضم هذا الحرمان الذي يواجهني ، يأتي مدير المدرسة إلى لورانس ليعطيه ورقة مكتوب عليها كلمة الطلاب المتفوقين ، ليلقيها لورانس نيابة عنهم لأنه الأول على مستوى المدرسة ، وحينما نظر إليها لورانس .. إذا في أول السطور .. مكتوب يقول ..
والدي العزيز ..
سعادة مدير المدرسة..
الأساتذة الأفاضل..
فنظر مدير المدرسة إلى لورانس ، وإذا بدمعة تذرف من عين لورانس أمام مدير المدرسة ، فيسأله المدير ، عن سبب دموعه ، فيجيبه لورانس .. بأنها دموع الفرحة بهذه المناسبة ، ولكن لورانس إعتذر من المدير عن إلقاء الكلمة ، لأن حالته لا تسمح بذلك ، فتقبل المدير بكل لطف عذر لورانس ، ليلقي الكلمة أحد التلاميذ الذين يملكون وجود ولي أمرهم .
ثم نادوا بإسمي ، وأخذت الجائزة وشهادة التفوق من المدير ، وسط تصفيق حار من الحضور ، فلم ألتفت إليهم ، لأني إقتنعت بعدم وجود والدي من بينهم ، ثم ذهبت وجلست في مكاني ، بعد ذلك رأيت الزملاء يستلمون هداياهم وشهادات تفوقهم من مدير المدرسة ، وكل زميل يأتي والده ويسلم على مدير المدسة برفقة إبنه ، وفي الأخير يأتي موعد العشاء ، فلا يدخل لورانس إلى صالة الطعام ، وإنما ينظر إلى مكان الحضور ، وكأنه يفتش مرة ثانية عن والده ، برغم أن المكان خالي من الحضور ، فالكل قد ذهب هو وإبنه إلى صالة الطعام ، وبعد ذلك يحين وقت المغادرة من المدرسة ، فقد إنتهى الحفل ، فيأتي السائق ليأخذني إلى منزلي ، وحينما هممت بالخروج من المدرسة ، رأيت السائق بإنتظاري ، ورأيت كل زميل معه والده ، ووالده يحمل عنه الشهادات والزميل يحمل هدايا المدرسة ، وهم يضحكون مع بعضهم ، فإذا بي قد صدمت بالواقع المؤلم ، وإقتنعت بعدم وجود والدي ، وأقتنعت أكثر بعدم وجود قلب يفرح لتفوقي ، أو إنسان ينظر إلى تلك الهدايا ، أو يقرأ فقط تلك الشهادة ، لأفوز ولو بابتسامة منه .
فما كان من لورانس إلا أن رمى بشهادة تفوقه وهدايا مدير مدرسته في سلة المهملات التي بجانب بوابة المدرسة .
ليركب مع السائق وفي الطريق كنت أفكر في صباح الغد ، كيف سيكون حديث الزملاء ، حينما سيقول أحدهم [ هل رأيتم والدي ] ويقول آخر [ ذاك هو والدي الذي إشترى لي الهدية الثمينة ] وما إلى ذلك من الحديث المؤلم الذي سأسمعه غدا ..
وفي الأخير أعود إلى المنزل .. فاصعد إلى غرفتي .. لأقف أمام صورة ذاك الرجل الغالي والذي لم يكتب له القدر بأن يراني في حياته ، ولم يكتب لي القدر أنا أيضا أن أراه في حياتي ، فأقف أمام تلك الصورة .. وآخذها وأحتضنها إلى قلبي وأبكي .. وأبكي .. وأبكي .. لأقول في الأخير ..
كــــــــم أحتـــــــــــــــــاجــــــــــــــــــك بجـــــــــــــــــانبـــــــــــــي يا والــــــــــــــــــــــــدي .
...............
لــورانس
أخذت الدعوة ووضعتها في حقيبتي ، وحينما هممنا بالخروج من المدرسة ، رأيت زملائي التلاميذ ، والكل والده ينتظره في سيارته ، ليركب معه ، إلا لورانس فقد كان السائق بانتظاره ، وقبل أن أركب إلى السيارة ، أنظر نظرة ثاقبة إلى أولئك الزملاء يبتسمون لوالدهم ، ووالدهم يبتسم لهم ، وبعد ذلك أركب السيارة ، ودمعتي أحبسها عن ذاك السائق كي لايراها ، فينقل أخبار لورانس إلى والدته ، ليصيبها بعض الحزن على ما أصاب إبنها لورانس .
وبعد مضي بضع من الوقت ، تقف السيارة عند الإشارة الحمراء ، فأنظر إلى السيارات التي حولي ، لعلها تغير بعض المناخ القاتم على نفس لورانس ، وفعلا انظر إلى اليمين ، فإذا بي أجد والد أحد الزملاء يقرأ الدعوة التي ناولها له إبنه ، فيبتسم ويضحك له ، ثم يطبع على جبين إبنه قبلة حارة ، كان لورانس في أشد الحاجة إليها ، وأرى الابتسامة تحيط بالوالد وإبنه ، والهدوء كأنه عنوان حياتهم ، والأمان الذي يشعر به ذاك الزميل مع والده ، فانظر إليهم فيلسعني الحرمان ، ويكويني الفراق عن والدي ، فأهرب من هذا المنظر القاهر ، فألتفت إلى الناحية اليسرى ، فأنظر إلى زميلي الآخر ، يضحك هو ووالده ، فأنظر إلى السماء ، فأدعوا الله أن يهنيهم في نعمتهم ، وأن يغفر لوالدي رحمه الله .
أعود إلى المنزل ، فأدخل إلى المنزل لتستقبلني غربتي ، وأذهب لأسلم على والدتي ، وأزرع قبلة على جبينها ، لأعوض قبلة ولي أمر ذاك الزميل التي طبعها له والده ، بعد ذلك أصعد إلى غرفتي ، فأضع حقيبتي ، وأنظر إلى صورة والدي ، وأقدم له الدعوة التي تسلمتها من مدير المدرسة ، فلا أجد إلا الصمت يغزوني أمامه ، فيا ترى .. هل والدي سعيد بتفوقي ؟ أم انه حزين على دموعي ، وفي الأخير .. تذرف من لورانس دموع لا يعرف من أين جاءت .. ولكنه يعرف إلى أين تذهب .
وتأتي الطامة الكبرى .. فيأتي الإحتقال بتكريم أولياء أمور الطلاب المتفوقين ، والتكريم سيكون مساء اليوم ، وأنا الآن في المدرسة ، وأسمع الزملاء من التلاميذ ، الكل يقول : سأحضر أنا ووالدي اليوم ، والآخر يقول : لقد وعدني والدي بهدية بعد حفل التكريم ، وبعضهم يقول : إن والدي سيأتي هو وعمي لأنهم فرحين بتفوقي ، وأنا جالس على هذا الكرسي أستمع .. نعم أستمع إلى تلك النغمات التي تشعل في قلبي الأمنيات العذبة .. ولكنها قاهرة جدا جدا .. في هذه الحياة البائسة .
والآن .. جاء حفل التكريم .. كل تلميذ وزميل ، يأتي بصحبة والده ، وأنا يحضرني السائق ، فلا أنزل .. وإنما أمتع عيناي في النظر إلى كل زميل وهو ينزل من سيارته ، ويدخل إلى المدرسة وبرفقته والده ، أنظر وأنظر وانظر .. ثم تخرج من نفس لورانس تنهيدة ترافقها نغمات الحرمان المؤلم والذي يجتاح كيان لورانس ، بعد ذلك أنزل من السيارة ، وأدخل إلى المدرسة ، وأنا في الطريق إلى قاعة الإحتفال ، أنظر إلى زميلي ومعه والده ومعهم مدير المدرسة ، أرى والده يتناقش مع مدير المدرسة ، فانظر إليهم ، فأحاول أن احبس دموعي كي لا تفضحني أمامهم ، فأنظر من ذاك المنظر القاهر إلى قاعة الإحتفال ، وكم كنت أتمنى أن أكون آخر الزملاء الذين يجلسون ، ولكن المصيبة أن لورانس هو الأول على مستوى المدرسة ، فهو صاحب الكرسي الأول ، فأجلس من بين الزملاء ، وأسمعهم يقولون لبعض .. أنظر ذاك هو والدي .. والآخر يقول .. ذاك الذي في اليمين هو والدي ، فاحبس دموعي ، فأنظر إلى الذين أمامي من الحضور ، فإذا بهم جمع غفير من أولياء أمور الطلاب ، وكأنني ألتفت وأنظر إليهم فأبحث عن والدي من بين الحضور ، فلا أنتبه لكلمة مدير المدرسة ، ولا لكلمة المرشد الطلابي ، ولم أنتبه لأحد حتى ولو ذكروا إسمي .. فلن أنتبه ، لأني مشغول بالبحث عن والدي من بين الحضور ، فأنا الآن أشاهد لمجموعة من أولياء الأمور وكأنها صورة تاريخية أراها في كل عام .
وفي خضم هذا الحرمان الذي يواجهني ، يأتي مدير المدرسة إلى لورانس ليعطيه ورقة مكتوب عليها كلمة الطلاب المتفوقين ، ليلقيها لورانس نيابة عنهم لأنه الأول على مستوى المدرسة ، وحينما نظر إليها لورانس .. إذا في أول السطور .. مكتوب يقول ..
والدي العزيز ..
سعادة مدير المدرسة..
الأساتذة الأفاضل..
فنظر مدير المدرسة إلى لورانس ، وإذا بدمعة تذرف من عين لورانس أمام مدير المدرسة ، فيسأله المدير ، عن سبب دموعه ، فيجيبه لورانس .. بأنها دموع الفرحة بهذه المناسبة ، ولكن لورانس إعتذر من المدير عن إلقاء الكلمة ، لأن حالته لا تسمح بذلك ، فتقبل المدير بكل لطف عذر لورانس ، ليلقي الكلمة أحد التلاميذ الذين يملكون وجود ولي أمرهم .
ثم نادوا بإسمي ، وأخذت الجائزة وشهادة التفوق من المدير ، وسط تصفيق حار من الحضور ، فلم ألتفت إليهم ، لأني إقتنعت بعدم وجود والدي من بينهم ، ثم ذهبت وجلست في مكاني ، بعد ذلك رأيت الزملاء يستلمون هداياهم وشهادات تفوقهم من مدير المدرسة ، وكل زميل يأتي والده ويسلم على مدير المدسة برفقة إبنه ، وفي الأخير يأتي موعد العشاء ، فلا يدخل لورانس إلى صالة الطعام ، وإنما ينظر إلى مكان الحضور ، وكأنه يفتش مرة ثانية عن والده ، برغم أن المكان خالي من الحضور ، فالكل قد ذهب هو وإبنه إلى صالة الطعام ، وبعد ذلك يحين وقت المغادرة من المدرسة ، فقد إنتهى الحفل ، فيأتي السائق ليأخذني إلى منزلي ، وحينما هممت بالخروج من المدرسة ، رأيت السائق بإنتظاري ، ورأيت كل زميل معه والده ، ووالده يحمل عنه الشهادات والزميل يحمل هدايا المدرسة ، وهم يضحكون مع بعضهم ، فإذا بي قد صدمت بالواقع المؤلم ، وإقتنعت بعدم وجود والدي ، وأقتنعت أكثر بعدم وجود قلب يفرح لتفوقي ، أو إنسان ينظر إلى تلك الهدايا ، أو يقرأ فقط تلك الشهادة ، لأفوز ولو بابتسامة منه .
فما كان من لورانس إلا أن رمى بشهادة تفوقه وهدايا مدير مدرسته في سلة المهملات التي بجانب بوابة المدرسة .
ليركب مع السائق وفي الطريق كنت أفكر في صباح الغد ، كيف سيكون حديث الزملاء ، حينما سيقول أحدهم [ هل رأيتم والدي ] ويقول آخر [ ذاك هو والدي الذي إشترى لي الهدية الثمينة ] وما إلى ذلك من الحديث المؤلم الذي سأسمعه غدا ..
وفي الأخير أعود إلى المنزل .. فاصعد إلى غرفتي .. لأقف أمام صورة ذاك الرجل الغالي والذي لم يكتب له القدر بأن يراني في حياته ، ولم يكتب لي القدر أنا أيضا أن أراه في حياتي ، فأقف أمام تلك الصورة .. وآخذها وأحتضنها إلى قلبي وأبكي .. وأبكي .. وأبكي .. لأقول في الأخير ..
كــــــــم أحتـــــــــــــــــاجــــــــــــــــــك بجـــــــــــــــــانبـــــــــــــي يا والــــــــــــــــــــــــدي .
...............
لــورانس