جمال الخيال
02-06-2005, 05:14 PM
رســــالـــــة الحضــــــــور الأخيــــــــــر
.......................
(( إلى عَالَم الأمَان ))
في لحظةٍ من اللحَظاتِ غَزتِ الهُمُومُ أَوطَاني . . .
وتَسَلَّقَتِ الغُمُومُ حُصُوني . . .
هَاجَمَتْني بِكُلِ قُوَاهَا . . .
تَوَشَّحَتْ سَمَائي بِعَبَاءَةٍ سَوْدَاءَ . . .
حَاولتُ أنْ أُبْصِرَ نَفْسِي فَمَا اسْتَطَعْتُ إلى ذَلك سَبِيل . . .
تَلَمَّستُ أَنْوَارَ الأفرَاحِ فَلمْ أَجِدْهَا ، وَبَحَثْتُ عَنْ مَصَابِيحِ السَّمَاءِ فَلَمْ أُشَاهِدْهَا . . .
إِنَّهَا غَمَامَةٌ شَمِلَتْ أَوْطَاني ، وَأرْهَقَتْ تَفْكِيِري . . .
حَاوَلَتِ الهُمُومُ أَنْ تَقْذِفَ عَلَيَّ مِنْ زَفَرَاتِهَا المُمِيتَه ، وَنَظَرَاتِهَا القَاتِلَه . . .
فِعْلاً لَقَدْ أَصْبَحْتُ يَتِيْماً …
يُتْمٌ . . . مَا أَقْسَاهُ ! وَمَا أَشَدَّه !!
إِنَّهُ يُتْمُ أَبٍ يُسَمَّى بِـ (( الأفْرَاح )) . . .
خَاطَبْتُ نَفْسِي فَلَمْ تُجِبْنِي . . .
لَقَدْ كَانَتْ سَابِحَةً فِي خِضَمِّ بَحْرٍ مُتَلاطِمٍ مِن الغُمُوم . . .
بَذَلْتُ وِسْعي لإنْقَاذِهَا . . .
لَمْ أَسْتَطِعْ . . .
إذْ لا قَوَارِبَ نَجَاة حَوْلِي . . .
صَرَخْتُ بِأعْلَى صَوتِي مُنَادِياً إِيَّاهَا فَلَمْ تُخَاطِبْنِي . . .
تَوَسَّلْتُ إِليهَا فَلَمْ تَرْحَمْنِي . . .
تَقَطَّعَتْ أَوتَارِي أَوْ كَادَتْ . . .
تَحَطَّمَتْ آمَالِي أو شَارَفَتْ . . .
نَظَرَاتِي اِرْتَبَكَتْ . . .
أَضْحَتْ ظَلاماً بَعْدَ نُور . . .
فِرَاشِي أَصَبَحَ جَلِيداً بَعْدَ لِيُونَه . . .
مَنَاظِري الجَمِيْلَةُ تَاهَتْ في مُسْتَنْقَعِ الهُمُومِ وَالأحْزَان . . .
كُتُبِي مَوْطِنُ أُنْسِي عَنِّي احْتَجَبَتْ . . .
قَلَمِي صَارَ أَسِيرَ غُمُومِي . . .
لَمْ يَنْطِقْ . . .
لَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيه . . .
دَمَهُ جَفَّ . . .
فِعْلاً . . .
أَصْبَحَ صُمّاً . . .
أَصْبَحَ بُكْماً . . .
أَصْبَحَ عُمْياً . . .
عَينَايَ . . . جُزْءُ مِنِّي
(( أَلِفْتُهَا وَألِفَتْنِي ))
مَا أَدْرِي مَا خَطْبُهَا !!!
ذَبُلَتْ . . .
غَارَتْ . . .
جُفُونُها تَهَدَّلَتْ . . .
جَسَدِي أُنْهِك . . .
أُتْعِبْ . . .
أُرْهِق . . .
أَمْرِي عَجَبٌ . . .
وَضْعِي قَلِقٌ . . .
* * * * * *
وَبَيْنَمَا أَهِيمُ فِي غَيَاهِبِ الأحْزَانِ وَالهُمُوم . . .
إِذَا بِطَارِقٍ يَطْرُقُ بَابِي . . .
طَرْقٌ يُشْبِهُ نَبَضَاتِ القَلب . . .
شُدِهْتُ . . .
وَقَفْتُ . . .
تَسَاءَلت :….
مَنْ تَسَوّرَ دَارِي ؟!!
مَنْ وَصلَ إلى غُرُفَاتي ؟!!
ظَلَلْتُ أُفَكِرُ ، وَالخَوفُ يَهُزُّ جَوَانِحِي . . .
يَاتُرَى . . .
أَهِي نِهَايه ؟
حَلَّتْ . . .
قَرُبَتْ . . .
لا أَدْرِي . . .
مَا أَشَدَّهَا مِنْ آلام !
زَادَتْ عَليَّ الهُمُوم . . .
لا أَدْرِي مَاذَا أَفْعَل !
هَل السَّيَّافُ عَلى بَابِي أَو العَدُوُّ غَزَانِي ؟!!
حَــــاوَلْتُ أَنْ أَسْتَجْمِعَ رِيقِـي ؛ كَي أبُثَّ الطُّمَأنِينَةَ في نَفْسِي . . .
قَرُبْتُ مِن البَاب . . .
أَمْسَكْتُ بِمِزْلاجِه . . .
خِفْتُ . . .
تَرَكْتُه . . .
تَرَاجَعْتُ . . .
تَرَدّدُ عَجِيب . . .
خَوفاً من عَالَمِ المَجْهُول . . .
عُدتُّ إِلى بَابي مَرَةً أُخْرى . . .
عَزَمتُ أَمْري . . .
كَانَتْ يَدَايَ تَرْتَجِفَان . . .
أَصَابِعِي تَقَوْقَعَتْ عَلى بَعْضِهَا خَوفاً . . .
مِيَاهُ الخَوفِ تَجْرِي فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ جَسَدِي . . .
إِنَّهَا خَالِيةٌ مِن العُذُوبَه . . .
لا أِدْرِي كَيفَ أَصِفُهَا . . .
لا بَارِدَةٌ فَتُسَكِّنْ أَحْزَاني . . .
وَلا حَارَّةٌ فَتُقَوِّي عَزِيمَتي . . .
عَجِيُبٌ أَمْرُها . . .
* * * * *
وَبَعْدَ صِرَاعٍ طَويلٍ حَاوَلْتُ فَتْحَ البَاب . . .
فَتَحْتُ جُزْءاً مِنْه . . .
وَجِسْمِي مُرْتَمٍ عَلَى جُزْئِهِ الآخَر . . .
رَفَعْتُ عَيْنَيَّ الذَّابِلَتِينِ . . .
وَإذَا بِشَخْصِ لأوَّلِ مَرَّةٍ أَلْتَقِيه . . .
مَلامِحُهُ غَرِيبَه . . .
قَسَمَاتُ وَجْهِهِ عَجِيبَه . . .
زَادَنِي خَوفاً عَلَى خَوف . . .
وَحُزْناً عَلى حُزن . . .
ظَلَّ صَامِتاً . . .
يَنْظُرُ إليّ . . .
سَأَلْتُه . . .
مَنْ تَكُون ؟
لَمْ يُجْبْنِي . . .
لَمْ يُعِرْنِي أَيَّ انْتِبَاه . . .
جَلَسَ يَنْظُرُ فِيَّ . . .
في تَكْوِيني . . .
يَتَفَكَّر . . .
يَتَأمَّل . . .
* * * * *
وبَعْدَ تَأمّلاَتِه المُخِيفَه . . .
أَدْخَلَ يَدَهُ في جَيبِه . . .
خِفُت . . .
أَصَابَتْني رَوعَه . . .
أَخَرَجَ رِسالَه . . .
لَيسَتْ أيَّ رِسَاله . . .
رِسَالَةٍ نَاصِعَةِ البَيَاض . . .
ذَاتِ رَوْنَقٍ لَمْ تَرَهُ عَينَاي . . .
فِيهَا نُور . . .
لَمْ أَحْظَ بِرؤيَتِه قَبْلُ . . .
وَضَعَهَا عَنْدَ عَتَبَة بَابِي . . .
لَمْ تُبَاشِر يَدَه يَدِي . . .
أَرَدْتُ أَنْ أَسأَلَه :….
كَيفَ جِئْتَ ؟!!
كَيفَ تَسَلَّقْتَ أَسْوَاري ؟!!
مِمَّنَ هَذهِ الرِّسَاله . . .
أسْئِلَةٌ كَثِيره . . .
لَمْ يُمْهِلِني . . .
وَفَجَأه . . .
وَبِلَمْحِ البَصَر . . .
إذَا بي لا أَرَى أَمَامِي شَيئاً . . .
* * * * *
أَخَذتُ الرسالة . . .
جَلَسْتُ أَنْظُرُ فيها . . .
فِي طَوَابِعِها . . .
لأحَدّدَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ جَاءَتْ . . .
لَم أُبصِر سِوى رُمُوز . . .
رُمُوزِ المُرْسِل (( صادٌ بَاء ))
فَتَحْتُ الرِّسَاله . . .
لَيسَتْ أَيَّ رِسَالةٍ أَفْتَحُها . . .
عَينَايَ تَحَليَتا بِقُوَّةٍ لَمْ أَعْهَدْهَا . . .
تَأَمَّلتُ فِيهَا . . .
فِإذَا مَكْتُوبٌ فِيهَا هَذِه السُّطُور . . .
* * * * *
أخِي صَاحِبَ الأحْزَانِ والهُمُوم . . .
سَلامٌ مِن اللهِ عَليكَ وَرَحْمَةٌ مِنْهُ وَبَركَة . . .
تَحِيَّةٌ جَمِيلَةٌ . . مُتَنَاسِقَةُ الحُرُوف . . رَائعَةُ الأدَاء . . مُتَمَاسِكَةُ الأطْرَاف . .
عَذْبَةُ المعَاني . .
حَوَتْ أَلْطَفَ الكَلِمَات ، وَألذَّ المُكْتَسَبَات . . .
تَحِيَّةٌ تَحْمِلُ صَاحِبَها إلى عَالَمِ الأمَانِ وَالاطمِئنَان . . .
إلى عَالَمِ الصَّفَاء . . .
إلى عَالَمِ السُّمُوِ بالنَّفْسِ وَالفُؤَاد . . .
فَمَا أَجَمَلَها مِن عِبَارَه !!
وَمَا أَحْسَنَهَا مِن تَكْوِين !!
* * * * *
صَاحِبَ الأحْزَانِ والغُمُوم . . .
أَنَا بِدُوني تَصْعُبُ الأشَيَاء . . .
كُلٌّ يَحْتَاجُنِي عَلَى سَوَاء . . .
بِدُوني لا يَنْتَصِرُ الشُّجْعَان . . .
وَلا تُشيَّدُ البُلْدَان . . .
وَلا ينُتْجُ المُبْدِعُون . . .
وَلا يَفُوزُ العَامِلُون . . .
بِدُوني لا تُبْنَى الحَضَارَات . . .
وَلا تَقُومُ العِمَارَات . . .
وَلا تُصْنَعُ الطَّائرَات . . .
وَلا الدَّبَّابَات . . .
وَلا السَّيَّارَات . . .
وكُلُّ مَا هُوَ آت . . .
إنَّني الهَوَاءُ . . .
مَنْ فَقَدَني مَات . . .
وَمَنْ اسْتَغْنَى عَنّي فَهُوَ في أَسْوَءِ السَّاعَات . . .
إِنَّني سَهْلٌ صَعْب . . .
جَمَعْتُ المُتَنَاقِضَات . . .
وَمَعَ هَذا فَأنَا مُهِمٌ للأرواح ، وَمغَذٍ للنُّفُوس . . .
أَمْنَحُ الاسْتِقْرَارَ وَالأمَان . . .
أَفْتَحُ الآفَاقَ مِنْ جَدِيد . . .
إنَّني عَدُوّ اليَأْسِ وَالقُنُوط . . .
أَحْمِلُ بِسَاطَ الحَيَاةِ الجَمِيلَه …
بِي تُشْرِقُ لِلآخَرِينَ الأيَّــام ؛ لأطْرُدَ كُلَّ جَرَاثِيمِ القُنُوط …
بِي يُشَقُّ عُبَابُ البِحَار . . .
لأنَّ أَصْدَافي جَمِيله . . . وَلآليء فَرِيدَه . . . وَمَكْنُونَاتِي عَجِيبَه . . .
أَكْسُو جَمَالَ الحيَاه . . .
وَأَخْلَعُ قَبِيحَ السِّمَات . . .
سُفُني لا تَخَافُ الأمَوَاج . . .
وَلا تُبَالي مِنْ تَجَمُّعِ الأفْوَاج . . .
بِي تَخْضَرُّ الأرْضُ . . .
لا تَصْفَرّ . . .
فَتُعْطِي مِن خُضْرَتِهَا الصَفَاءَ للنُّفُوس . . .
وَمِن أَغصَانِهَا طِيبَ الحَيَاه . . .
وَمِن ثَمَرَاتِهَا رَوَعَةَ الخِتَام . . .
فَلِمَاذا لا أَعْتَزُّ بِنَفْسِي ، ولا أَثِقُ بِقُدُرَاتي ؟
مِنِّي تَخَافُ الأعْدَاء . . .
وَيَتَقَوّى بِي الضُّعَفَاء . . .
إِنَّني طَارِدُ الأحْزَان . . .
مُيَتِّمُهَا . . .
قَاتِلُهَا . . .
فَهَلْ تَحْفَلُ بِصُحْبَتِي ؟
اِجْعَلْنِي مَعَكَ رَايَةً
اِحْمِلْهَا دَوْماً . . .
اِرْفَعْني عِزّاً . . .
اِقْهَرْ حُزْناً . . .
اِرْمِ هَمّاً . . .
أَبْعِدْ غَمّاً . . .
رَايَتِي جَمِيلَة . . .
لَيْسَتْ سَودَاءَ كَرَايَةِ الهُمُوم . . .
إنَّهَا بَيْضَاءُ نَاصِعَة . . تُحَرِكُهَا رِيَاحٌ طَيِبةُ النَّسِيم . . جَمِيلةُ الغُدُو وَالرَّوَاح . .
مَعِي قَطَرَاتُ النَّدَى أَسْقِي بِهَا القُلُوبَ العَلِيلَة . . .
وَأَرْقَى بِالنُّفُوسِ الضَّعِيفَه . . .
فَمَا أعْظَمَني ..
فَهَلْ تَعْرِفًنِي يَا صَاحِبَ الأحْزَان ؟
* * * * *
صَاحِبَ الأحْزَان . . .
حُرُوفِي جَمِيلَةٌ رَقِيقَه . . .
كُلُّ جُزْءٍ مِنِّي يَحْمِلُ مَعَنى . . .
فَهَلْ أَدْرَكْتَنِي . . .
* * * * *
أَوَّلُ حَرْفٍ مِنِّي (( صَاد )) . . .
صُمُودٌ في مُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ الكَئِيبَه . . .
فَأنَا أَحْمِلُ العَزِيمَةَ بَينَ كَيَانِي . . .
صَادِقٌ مَعَ مَنْ يَحْمِلُنِي . . .
صَانِعٌ لِلمَعْرُوفِ لِمَنْ يُخَالِطُني . . .
صَائِدٌ لأجَمَل مَا في الحَيَاةِ مِن الطُّيُور . . .
صَاعِد بِهِمَمِ الآخَرينَ نَحْوَ المعَالي . . .
صَالِحٌ في نَفْسِي مُصْلِحٌ غَيرِي …
وِثِاني حُرُوفي (( باء )) . . .
بُعْدُ عَنْ عَالَمِ الهُمُومِ وَالأحْزَان . . .
بَرَاءةٌ مِن اليَأسِ وَالقُنُوط . . .
بَارِقَةُ أَمِلٍ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ مُشْرِق . . .
بَاسِمٌ في وَجْهِ الحَيَاه . . .
بَانِي أَمْجَادِ العُظَمَاء . . .
* * * * *
وَثَالِثُ حُرُوفي (( راء )) . . .
رُؤْيَةٌ لِجَمَالِ الحَيَاه . . .
رَائِدٌ في العَطَاء . . .
رَاسِمٌ أَحْلَى الأمَاني . . .
رَؤوفٌ بِأصْحَابي . . .
* * * * *
وَأمَّا حَرَكَاتي وَسَكَنَاتي . . .
فما أَحْلاهَا
صَادِي مَفْتُوحَة . . .
حَرَكَةٌ جَمِيلَةٌ خَفِيفَه . . .
تَعْنِي تَنَفُّس الهُمُوم . . .
وَانْفِتَاحاً نَحْوَ عَالَمِ الجَمَالِ وَالسَّعَادَه . . .
وَبَائي سَاكِنَة . . .
أَبْعَثُ لِحَامِلي الهُدُوءَ وَالطُّمَأنِينَةَ وَالسُّكُون . . .
وَرَائي مَضْمُومُة . . .
أَضُمُّ الهُمُومَ وَأَرْمِيهَا لأبْعَثَ الحَيَاةَ مِنْ جَدِيد . . .
صَاحِبَ الأحْزَانِ ……….
بَعْدَ هَذا كُلِّه …
هَلْ عَرَفْتَني ؟
هَلْ حَدَّدتَ مَلامِحِي ؟
إِنَّني الصَّـــبْرُ . . .
أُغَرِدُ في أَرْجَاءِ وَطَنِ المَنْكُوبِين . . .
وَأُمْطِرُ مِن سَحَابي قَطَرَاتِ المَاءِ في أَفْئِدَةِ المُعَذَّبِين . . .
أُغَذِّي قُلُوبَهُم بِاليَقِين . . .
وَأُلْبِسُهَا لِبَاسَ حَرِيرٍ ؛ لأُلَيِّنْ الكَسَرَات . . وأُزِيَلَ بَقَايَا التَّمَزُّقَات . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
مَاسِحُ دَمْعِ المَحْزُونين . . .
وَمُكَفْكِفُ عَبَرَاتِ المَظْلُومِين . . .
وَمُضَمِّدُ جُرُوحِ المَجْرُوحِين . . .
وَسَاقِي عِطَاشِ المَلْهُوفِين . . .
وَمُقَوِّي عَزِيمَة اليَتِيم . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
أُسَافِرُ بِأصْحَابي نَحْوَ المعَالي . . .
وَأصْعَدُ بِهِم إلى قِمَمِ الجِبَالِ . . .
وَأَحْمِلُ نُفُوسَهُمْ مَعَ نَسَمَاتِ الهَوَاءِ الطَّلْقِ فَتُحَلِّق في سَمَاءِ الأفْرَاح . . .
وَأُبْعِدُ عَن أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةَ الأحْزَان . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
فَهَلاَّ عَرَفْتُم رَوْعةَ خِصَالي وَكَريمَ سِمَاتي . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
أُسَلِّي كُلَّ مُصَاب . . .
وَأُثَبِّتَ قَلْبَ كُلِّ مُرْتَاب . . .
وَأَشُدُّ مِن أَزْرِ كُلِّ غَرَّاب . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
لا يَعْرِفُ قِيمَتِي إلا أُولًو الألبَاب . . .
* * * *
وأخيراً . . .
يَا مَنْ غَرَّدَ خَارِجَ سِرْبي . . .
أَمَا آنَ لكَ الرُّجُوع . . .
لِتَمْسَحَ عَنْ عَينيكَ بَقَايَا الدُّمُوع . . .
آمِنْ بِقُدُرَاتي . . .
تَسْعَدْ أَيَّامُك . . .
تَشْدُ أَفْكَارُك . . .
تَطِبْ نَفُسُك . . .
تَعْلُ هِمَّتُك . . .
تَفُزْ بِمَطْلَبِك . . .
تُحَارِبْ ضَعْفَك . . .
تَقْتُلْ أَعْدَاءك . . .
* * * * *
صَاحِبَ الأحْزَانِ والهُمُوم . . .
أَنْتَهِي مِن حَيثُ بَدأتُ . . .
فَلكَ مِن السَّلامِ رَحْمُتُهُ وَبَرَكَتُه . . .
وَلكَ مِن كُلِّ الكَلامِ أَعْذُبُه . . .
وَلَكَ مِن الدُّعَاءِ أَخْلَصُه . . .
لَكَ فَائقُ تَحِياتي . . .
أَخُوكَ الصَّبْرُ . . .
* * * * *
أَدْخَلْتُ الرِّسَالةَ في غِمْدِهَا . . .
نَظَرْتُ إلى أَرْجَاءِ غُرْفَتي لأضَعَ هَذَا الكَنْزَ فِيهَا . . .
قَلَّبْتُ الغُرْفَة . . .
فَلَمْ أَجِدْ مَكَاناً يَستَحِقُ أنْ يَحْفَظَهَا إلا خَزِينَةَ قَلْبِي ـ مُسْتَودع هُمُومِي ـ فَأودَعْتُها فِيهِ . . .
* * * * *
أطْلَقْتُ لِجامَ كِلِمَاتِي ؛ لِتَسْبَحَ فَوقَ هَامَاتِ السَّحَاب مُنَادِياً بِأَعْلَى صَوتِي . . .
مَعَالي الصَّبْر . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . مَاؤكَ العَذْبُ سَقَى أَغْصَانَ أَحْزَاني وَلَمْلَمَ شَتَاتَ آلامِي . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . صَوتُكَ الجَمِيلُ غَنّى بَينَ أَرْكَاني . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . رُوحُكَ الطَّيِّبَةُ سَافَرَتْ في أَعْمَاقي . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . كَمْ مَحْرُومٍ مِنْ عَطْفِك . . .
كَمْ سَاقِطٍ في الظُّلمَاتِ بِفَقْدِك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . سَنَوَاتُ الحُزْنِ تُصْبِحُ سَاعَه . . .
عَفواً دَقِيقَه . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . بِضَاعَتُكَ بِلا خُسْرَان . . .
فَحُقَّ لَكَ أنْ تَفْخَر . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. أَنْهَارُكَ بِلا نُضُوب . . .
فَحَرِيٌّ بِكَ أَنْ تُعْجَب . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. صَفَحاتُكَ بَيضَاءُ غَيرُ مُشَوَهَةٍ بِخُطُوط . . دَفَاتِرُكَ أَورَاقٌ بِلا حُدُود . . .
أَقْلامُكَ رَائعَةُ الخُطُوط …
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. طَريقُكُ لا تُشَوِهُهُ المُنْحَنَيَات . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. أُعَزِي مَنْ حُرمَك . . .
وَأَرْحَمُ مَنْ قَطَعَك . . .
* * * * *
وَأخِيرًا . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. أَعْطِني مِن بِرِّك . . .
اِمْنَحْني قُرْبَك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . أَلْقِ عَلَيَّ مِنْ نَفَثَاتِ رُوحِك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . أَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ قَطَرَاتِ نَدَاك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . جُودُكَ عَمَّ الأوطَان . . .
فَأرْسِلْ عَلَيَّ مِن سَحَائبِ جُودِك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . . نَسَمَاتُ هَوَاءِكَ سَبَقَتْ هَوَاءك . . .
فَانْفُثْ فِيَّ مِنْهَا الجَمِيل . . .
وَغَذِّ بِهَا فُؤَادي العَلِيل . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . جَنَاحَاكَ أَظَلَّتْ شُمُوساً مُحْرِقةً . . .
فَأَبْرِدْ عَلَيَّ هُمُومِي . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . اِحْمِلْ رُوحِي اِلى صَفَاءِ سَمَائك . . وَجَمَالِ نَظَرَاتِك . . .
إلى . . . أسطــــورة ..
(( الخيــــــــال الجميـــــــل ))
فـائق أمنيــــاتي ..
بقلـــــم .. الخيــــــــال
.......................
(( إلى عَالَم الأمَان ))
في لحظةٍ من اللحَظاتِ غَزتِ الهُمُومُ أَوطَاني . . .
وتَسَلَّقَتِ الغُمُومُ حُصُوني . . .
هَاجَمَتْني بِكُلِ قُوَاهَا . . .
تَوَشَّحَتْ سَمَائي بِعَبَاءَةٍ سَوْدَاءَ . . .
حَاولتُ أنْ أُبْصِرَ نَفْسِي فَمَا اسْتَطَعْتُ إلى ذَلك سَبِيل . . .
تَلَمَّستُ أَنْوَارَ الأفرَاحِ فَلمْ أَجِدْهَا ، وَبَحَثْتُ عَنْ مَصَابِيحِ السَّمَاءِ فَلَمْ أُشَاهِدْهَا . . .
إِنَّهَا غَمَامَةٌ شَمِلَتْ أَوْطَاني ، وَأرْهَقَتْ تَفْكِيِري . . .
حَاوَلَتِ الهُمُومُ أَنْ تَقْذِفَ عَلَيَّ مِنْ زَفَرَاتِهَا المُمِيتَه ، وَنَظَرَاتِهَا القَاتِلَه . . .
فِعْلاً لَقَدْ أَصْبَحْتُ يَتِيْماً …
يُتْمٌ . . . مَا أَقْسَاهُ ! وَمَا أَشَدَّه !!
إِنَّهُ يُتْمُ أَبٍ يُسَمَّى بِـ (( الأفْرَاح )) . . .
خَاطَبْتُ نَفْسِي فَلَمْ تُجِبْنِي . . .
لَقَدْ كَانَتْ سَابِحَةً فِي خِضَمِّ بَحْرٍ مُتَلاطِمٍ مِن الغُمُوم . . .
بَذَلْتُ وِسْعي لإنْقَاذِهَا . . .
لَمْ أَسْتَطِعْ . . .
إذْ لا قَوَارِبَ نَجَاة حَوْلِي . . .
صَرَخْتُ بِأعْلَى صَوتِي مُنَادِياً إِيَّاهَا فَلَمْ تُخَاطِبْنِي . . .
تَوَسَّلْتُ إِليهَا فَلَمْ تَرْحَمْنِي . . .
تَقَطَّعَتْ أَوتَارِي أَوْ كَادَتْ . . .
تَحَطَّمَتْ آمَالِي أو شَارَفَتْ . . .
نَظَرَاتِي اِرْتَبَكَتْ . . .
أَضْحَتْ ظَلاماً بَعْدَ نُور . . .
فِرَاشِي أَصَبَحَ جَلِيداً بَعْدَ لِيُونَه . . .
مَنَاظِري الجَمِيْلَةُ تَاهَتْ في مُسْتَنْقَعِ الهُمُومِ وَالأحْزَان . . .
كُتُبِي مَوْطِنُ أُنْسِي عَنِّي احْتَجَبَتْ . . .
قَلَمِي صَارَ أَسِيرَ غُمُومِي . . .
لَمْ يَنْطِقْ . . .
لَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيه . . .
دَمَهُ جَفَّ . . .
فِعْلاً . . .
أَصْبَحَ صُمّاً . . .
أَصْبَحَ بُكْماً . . .
أَصْبَحَ عُمْياً . . .
عَينَايَ . . . جُزْءُ مِنِّي
(( أَلِفْتُهَا وَألِفَتْنِي ))
مَا أَدْرِي مَا خَطْبُهَا !!!
ذَبُلَتْ . . .
غَارَتْ . . .
جُفُونُها تَهَدَّلَتْ . . .
جَسَدِي أُنْهِك . . .
أُتْعِبْ . . .
أُرْهِق . . .
أَمْرِي عَجَبٌ . . .
وَضْعِي قَلِقٌ . . .
* * * * * *
وَبَيْنَمَا أَهِيمُ فِي غَيَاهِبِ الأحْزَانِ وَالهُمُوم . . .
إِذَا بِطَارِقٍ يَطْرُقُ بَابِي . . .
طَرْقٌ يُشْبِهُ نَبَضَاتِ القَلب . . .
شُدِهْتُ . . .
وَقَفْتُ . . .
تَسَاءَلت :….
مَنْ تَسَوّرَ دَارِي ؟!!
مَنْ وَصلَ إلى غُرُفَاتي ؟!!
ظَلَلْتُ أُفَكِرُ ، وَالخَوفُ يَهُزُّ جَوَانِحِي . . .
يَاتُرَى . . .
أَهِي نِهَايه ؟
حَلَّتْ . . .
قَرُبَتْ . . .
لا أَدْرِي . . .
مَا أَشَدَّهَا مِنْ آلام !
زَادَتْ عَليَّ الهُمُوم . . .
لا أَدْرِي مَاذَا أَفْعَل !
هَل السَّيَّافُ عَلى بَابِي أَو العَدُوُّ غَزَانِي ؟!!
حَــــاوَلْتُ أَنْ أَسْتَجْمِعَ رِيقِـي ؛ كَي أبُثَّ الطُّمَأنِينَةَ في نَفْسِي . . .
قَرُبْتُ مِن البَاب . . .
أَمْسَكْتُ بِمِزْلاجِه . . .
خِفْتُ . . .
تَرَكْتُه . . .
تَرَاجَعْتُ . . .
تَرَدّدُ عَجِيب . . .
خَوفاً من عَالَمِ المَجْهُول . . .
عُدتُّ إِلى بَابي مَرَةً أُخْرى . . .
عَزَمتُ أَمْري . . .
كَانَتْ يَدَايَ تَرْتَجِفَان . . .
أَصَابِعِي تَقَوْقَعَتْ عَلى بَعْضِهَا خَوفاً . . .
مِيَاهُ الخَوفِ تَجْرِي فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ جَسَدِي . . .
إِنَّهَا خَالِيةٌ مِن العُذُوبَه . . .
لا أِدْرِي كَيفَ أَصِفُهَا . . .
لا بَارِدَةٌ فَتُسَكِّنْ أَحْزَاني . . .
وَلا حَارَّةٌ فَتُقَوِّي عَزِيمَتي . . .
عَجِيُبٌ أَمْرُها . . .
* * * * *
وَبَعْدَ صِرَاعٍ طَويلٍ حَاوَلْتُ فَتْحَ البَاب . . .
فَتَحْتُ جُزْءاً مِنْه . . .
وَجِسْمِي مُرْتَمٍ عَلَى جُزْئِهِ الآخَر . . .
رَفَعْتُ عَيْنَيَّ الذَّابِلَتِينِ . . .
وَإذَا بِشَخْصِ لأوَّلِ مَرَّةٍ أَلْتَقِيه . . .
مَلامِحُهُ غَرِيبَه . . .
قَسَمَاتُ وَجْهِهِ عَجِيبَه . . .
زَادَنِي خَوفاً عَلَى خَوف . . .
وَحُزْناً عَلى حُزن . . .
ظَلَّ صَامِتاً . . .
يَنْظُرُ إليّ . . .
سَأَلْتُه . . .
مَنْ تَكُون ؟
لَمْ يُجْبْنِي . . .
لَمْ يُعِرْنِي أَيَّ انْتِبَاه . . .
جَلَسَ يَنْظُرُ فِيَّ . . .
في تَكْوِيني . . .
يَتَفَكَّر . . .
يَتَأمَّل . . .
* * * * *
وبَعْدَ تَأمّلاَتِه المُخِيفَه . . .
أَدْخَلَ يَدَهُ في جَيبِه . . .
خِفُت . . .
أَصَابَتْني رَوعَه . . .
أَخَرَجَ رِسالَه . . .
لَيسَتْ أيَّ رِسَاله . . .
رِسَالَةٍ نَاصِعَةِ البَيَاض . . .
ذَاتِ رَوْنَقٍ لَمْ تَرَهُ عَينَاي . . .
فِيهَا نُور . . .
لَمْ أَحْظَ بِرؤيَتِه قَبْلُ . . .
وَضَعَهَا عَنْدَ عَتَبَة بَابِي . . .
لَمْ تُبَاشِر يَدَه يَدِي . . .
أَرَدْتُ أَنْ أَسأَلَه :….
كَيفَ جِئْتَ ؟!!
كَيفَ تَسَلَّقْتَ أَسْوَاري ؟!!
مِمَّنَ هَذهِ الرِّسَاله . . .
أسْئِلَةٌ كَثِيره . . .
لَمْ يُمْهِلِني . . .
وَفَجَأه . . .
وَبِلَمْحِ البَصَر . . .
إذَا بي لا أَرَى أَمَامِي شَيئاً . . .
* * * * *
أَخَذتُ الرسالة . . .
جَلَسْتُ أَنْظُرُ فيها . . .
فِي طَوَابِعِها . . .
لأحَدّدَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ جَاءَتْ . . .
لَم أُبصِر سِوى رُمُوز . . .
رُمُوزِ المُرْسِل (( صادٌ بَاء ))
فَتَحْتُ الرِّسَاله . . .
لَيسَتْ أَيَّ رِسَالةٍ أَفْتَحُها . . .
عَينَايَ تَحَليَتا بِقُوَّةٍ لَمْ أَعْهَدْهَا . . .
تَأَمَّلتُ فِيهَا . . .
فِإذَا مَكْتُوبٌ فِيهَا هَذِه السُّطُور . . .
* * * * *
أخِي صَاحِبَ الأحْزَانِ والهُمُوم . . .
سَلامٌ مِن اللهِ عَليكَ وَرَحْمَةٌ مِنْهُ وَبَركَة . . .
تَحِيَّةٌ جَمِيلَةٌ . . مُتَنَاسِقَةُ الحُرُوف . . رَائعَةُ الأدَاء . . مُتَمَاسِكَةُ الأطْرَاف . .
عَذْبَةُ المعَاني . .
حَوَتْ أَلْطَفَ الكَلِمَات ، وَألذَّ المُكْتَسَبَات . . .
تَحِيَّةٌ تَحْمِلُ صَاحِبَها إلى عَالَمِ الأمَانِ وَالاطمِئنَان . . .
إلى عَالَمِ الصَّفَاء . . .
إلى عَالَمِ السُّمُوِ بالنَّفْسِ وَالفُؤَاد . . .
فَمَا أَجَمَلَها مِن عِبَارَه !!
وَمَا أَحْسَنَهَا مِن تَكْوِين !!
* * * * *
صَاحِبَ الأحْزَانِ والغُمُوم . . .
أَنَا بِدُوني تَصْعُبُ الأشَيَاء . . .
كُلٌّ يَحْتَاجُنِي عَلَى سَوَاء . . .
بِدُوني لا يَنْتَصِرُ الشُّجْعَان . . .
وَلا تُشيَّدُ البُلْدَان . . .
وَلا ينُتْجُ المُبْدِعُون . . .
وَلا يَفُوزُ العَامِلُون . . .
بِدُوني لا تُبْنَى الحَضَارَات . . .
وَلا تَقُومُ العِمَارَات . . .
وَلا تُصْنَعُ الطَّائرَات . . .
وَلا الدَّبَّابَات . . .
وَلا السَّيَّارَات . . .
وكُلُّ مَا هُوَ آت . . .
إنَّني الهَوَاءُ . . .
مَنْ فَقَدَني مَات . . .
وَمَنْ اسْتَغْنَى عَنّي فَهُوَ في أَسْوَءِ السَّاعَات . . .
إِنَّني سَهْلٌ صَعْب . . .
جَمَعْتُ المُتَنَاقِضَات . . .
وَمَعَ هَذا فَأنَا مُهِمٌ للأرواح ، وَمغَذٍ للنُّفُوس . . .
أَمْنَحُ الاسْتِقْرَارَ وَالأمَان . . .
أَفْتَحُ الآفَاقَ مِنْ جَدِيد . . .
إنَّني عَدُوّ اليَأْسِ وَالقُنُوط . . .
أَحْمِلُ بِسَاطَ الحَيَاةِ الجَمِيلَه …
بِي تُشْرِقُ لِلآخَرِينَ الأيَّــام ؛ لأطْرُدَ كُلَّ جَرَاثِيمِ القُنُوط …
بِي يُشَقُّ عُبَابُ البِحَار . . .
لأنَّ أَصْدَافي جَمِيله . . . وَلآليء فَرِيدَه . . . وَمَكْنُونَاتِي عَجِيبَه . . .
أَكْسُو جَمَالَ الحيَاه . . .
وَأَخْلَعُ قَبِيحَ السِّمَات . . .
سُفُني لا تَخَافُ الأمَوَاج . . .
وَلا تُبَالي مِنْ تَجَمُّعِ الأفْوَاج . . .
بِي تَخْضَرُّ الأرْضُ . . .
لا تَصْفَرّ . . .
فَتُعْطِي مِن خُضْرَتِهَا الصَفَاءَ للنُّفُوس . . .
وَمِن أَغصَانِهَا طِيبَ الحَيَاه . . .
وَمِن ثَمَرَاتِهَا رَوَعَةَ الخِتَام . . .
فَلِمَاذا لا أَعْتَزُّ بِنَفْسِي ، ولا أَثِقُ بِقُدُرَاتي ؟
مِنِّي تَخَافُ الأعْدَاء . . .
وَيَتَقَوّى بِي الضُّعَفَاء . . .
إِنَّني طَارِدُ الأحْزَان . . .
مُيَتِّمُهَا . . .
قَاتِلُهَا . . .
فَهَلْ تَحْفَلُ بِصُحْبَتِي ؟
اِجْعَلْنِي مَعَكَ رَايَةً
اِحْمِلْهَا دَوْماً . . .
اِرْفَعْني عِزّاً . . .
اِقْهَرْ حُزْناً . . .
اِرْمِ هَمّاً . . .
أَبْعِدْ غَمّاً . . .
رَايَتِي جَمِيلَة . . .
لَيْسَتْ سَودَاءَ كَرَايَةِ الهُمُوم . . .
إنَّهَا بَيْضَاءُ نَاصِعَة . . تُحَرِكُهَا رِيَاحٌ طَيِبةُ النَّسِيم . . جَمِيلةُ الغُدُو وَالرَّوَاح . .
مَعِي قَطَرَاتُ النَّدَى أَسْقِي بِهَا القُلُوبَ العَلِيلَة . . .
وَأَرْقَى بِالنُّفُوسِ الضَّعِيفَه . . .
فَمَا أعْظَمَني ..
فَهَلْ تَعْرِفًنِي يَا صَاحِبَ الأحْزَان ؟
* * * * *
صَاحِبَ الأحْزَان . . .
حُرُوفِي جَمِيلَةٌ رَقِيقَه . . .
كُلُّ جُزْءٍ مِنِّي يَحْمِلُ مَعَنى . . .
فَهَلْ أَدْرَكْتَنِي . . .
* * * * *
أَوَّلُ حَرْفٍ مِنِّي (( صَاد )) . . .
صُمُودٌ في مُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ الكَئِيبَه . . .
فَأنَا أَحْمِلُ العَزِيمَةَ بَينَ كَيَانِي . . .
صَادِقٌ مَعَ مَنْ يَحْمِلُنِي . . .
صَانِعٌ لِلمَعْرُوفِ لِمَنْ يُخَالِطُني . . .
صَائِدٌ لأجَمَل مَا في الحَيَاةِ مِن الطُّيُور . . .
صَاعِد بِهِمَمِ الآخَرينَ نَحْوَ المعَالي . . .
صَالِحٌ في نَفْسِي مُصْلِحٌ غَيرِي …
وِثِاني حُرُوفي (( باء )) . . .
بُعْدُ عَنْ عَالَمِ الهُمُومِ وَالأحْزَان . . .
بَرَاءةٌ مِن اليَأسِ وَالقُنُوط . . .
بَارِقَةُ أَمِلٍ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ مُشْرِق . . .
بَاسِمٌ في وَجْهِ الحَيَاه . . .
بَانِي أَمْجَادِ العُظَمَاء . . .
* * * * *
وَثَالِثُ حُرُوفي (( راء )) . . .
رُؤْيَةٌ لِجَمَالِ الحَيَاه . . .
رَائِدٌ في العَطَاء . . .
رَاسِمٌ أَحْلَى الأمَاني . . .
رَؤوفٌ بِأصْحَابي . . .
* * * * *
وَأمَّا حَرَكَاتي وَسَكَنَاتي . . .
فما أَحْلاهَا
صَادِي مَفْتُوحَة . . .
حَرَكَةٌ جَمِيلَةٌ خَفِيفَه . . .
تَعْنِي تَنَفُّس الهُمُوم . . .
وَانْفِتَاحاً نَحْوَ عَالَمِ الجَمَالِ وَالسَّعَادَه . . .
وَبَائي سَاكِنَة . . .
أَبْعَثُ لِحَامِلي الهُدُوءَ وَالطُّمَأنِينَةَ وَالسُّكُون . . .
وَرَائي مَضْمُومُة . . .
أَضُمُّ الهُمُومَ وَأَرْمِيهَا لأبْعَثَ الحَيَاةَ مِنْ جَدِيد . . .
صَاحِبَ الأحْزَانِ ……….
بَعْدَ هَذا كُلِّه …
هَلْ عَرَفْتَني ؟
هَلْ حَدَّدتَ مَلامِحِي ؟
إِنَّني الصَّـــبْرُ . . .
أُغَرِدُ في أَرْجَاءِ وَطَنِ المَنْكُوبِين . . .
وَأُمْطِرُ مِن سَحَابي قَطَرَاتِ المَاءِ في أَفْئِدَةِ المُعَذَّبِين . . .
أُغَذِّي قُلُوبَهُم بِاليَقِين . . .
وَأُلْبِسُهَا لِبَاسَ حَرِيرٍ ؛ لأُلَيِّنْ الكَسَرَات . . وأُزِيَلَ بَقَايَا التَّمَزُّقَات . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
مَاسِحُ دَمْعِ المَحْزُونين . . .
وَمُكَفْكِفُ عَبَرَاتِ المَظْلُومِين . . .
وَمُضَمِّدُ جُرُوحِ المَجْرُوحِين . . .
وَسَاقِي عِطَاشِ المَلْهُوفِين . . .
وَمُقَوِّي عَزِيمَة اليَتِيم . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
أُسَافِرُ بِأصْحَابي نَحْوَ المعَالي . . .
وَأصْعَدُ بِهِم إلى قِمَمِ الجِبَالِ . . .
وَأَحْمِلُ نُفُوسَهُمْ مَعَ نَسَمَاتِ الهَوَاءِ الطَّلْقِ فَتُحَلِّق في سَمَاءِ الأفْرَاح . . .
وَأُبْعِدُ عَن أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةَ الأحْزَان . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
فَهَلاَّ عَرَفْتُم رَوْعةَ خِصَالي وَكَريمَ سِمَاتي . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
أُسَلِّي كُلَّ مُصَاب . . .
وَأُثَبِّتَ قَلْبَ كُلِّ مُرْتَاب . . .
وَأَشُدُّ مِن أَزْرِ كُلِّ غَرَّاب . . .
إِنَّني الصَّبْرُ . . .
لا يَعْرِفُ قِيمَتِي إلا أُولًو الألبَاب . . .
* * * *
وأخيراً . . .
يَا مَنْ غَرَّدَ خَارِجَ سِرْبي . . .
أَمَا آنَ لكَ الرُّجُوع . . .
لِتَمْسَحَ عَنْ عَينيكَ بَقَايَا الدُّمُوع . . .
آمِنْ بِقُدُرَاتي . . .
تَسْعَدْ أَيَّامُك . . .
تَشْدُ أَفْكَارُك . . .
تَطِبْ نَفُسُك . . .
تَعْلُ هِمَّتُك . . .
تَفُزْ بِمَطْلَبِك . . .
تُحَارِبْ ضَعْفَك . . .
تَقْتُلْ أَعْدَاءك . . .
* * * * *
صَاحِبَ الأحْزَانِ والهُمُوم . . .
أَنْتَهِي مِن حَيثُ بَدأتُ . . .
فَلكَ مِن السَّلامِ رَحْمُتُهُ وَبَرَكَتُه . . .
وَلكَ مِن كُلِّ الكَلامِ أَعْذُبُه . . .
وَلَكَ مِن الدُّعَاءِ أَخْلَصُه . . .
لَكَ فَائقُ تَحِياتي . . .
أَخُوكَ الصَّبْرُ . . .
* * * * *
أَدْخَلْتُ الرِّسَالةَ في غِمْدِهَا . . .
نَظَرْتُ إلى أَرْجَاءِ غُرْفَتي لأضَعَ هَذَا الكَنْزَ فِيهَا . . .
قَلَّبْتُ الغُرْفَة . . .
فَلَمْ أَجِدْ مَكَاناً يَستَحِقُ أنْ يَحْفَظَهَا إلا خَزِينَةَ قَلْبِي ـ مُسْتَودع هُمُومِي ـ فَأودَعْتُها فِيهِ . . .
* * * * *
أطْلَقْتُ لِجامَ كِلِمَاتِي ؛ لِتَسْبَحَ فَوقَ هَامَاتِ السَّحَاب مُنَادِياً بِأَعْلَى صَوتِي . . .
مَعَالي الصَّبْر . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . مَاؤكَ العَذْبُ سَقَى أَغْصَانَ أَحْزَاني وَلَمْلَمَ شَتَاتَ آلامِي . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . صَوتُكَ الجَمِيلُ غَنّى بَينَ أَرْكَاني . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . رُوحُكَ الطَّيِّبَةُ سَافَرَتْ في أَعْمَاقي . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . كَمْ مَحْرُومٍ مِنْ عَطْفِك . . .
كَمْ سَاقِطٍ في الظُّلمَاتِ بِفَقْدِك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . سَنَوَاتُ الحُزْنِ تُصْبِحُ سَاعَه . . .
عَفواً دَقِيقَه . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . بِضَاعَتُكَ بِلا خُسْرَان . . .
فَحُقَّ لَكَ أنْ تَفْخَر . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. أَنْهَارُكَ بِلا نُضُوب . . .
فَحَرِيٌّ بِكَ أَنْ تُعْجَب . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. صَفَحاتُكَ بَيضَاءُ غَيرُ مُشَوَهَةٍ بِخُطُوط . . دَفَاتِرُكَ أَورَاقٌ بِلا حُدُود . . .
أَقْلامُكَ رَائعَةُ الخُطُوط …
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. طَريقُكُ لا تُشَوِهُهُ المُنْحَنَيَات . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. أُعَزِي مَنْ حُرمَك . . .
وَأَرْحَمُ مَنْ قَطَعَك . . .
* * * * *
وَأخِيرًا . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ .. أَعْطِني مِن بِرِّك . . .
اِمْنَحْني قُرْبَك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . أَلْقِ عَلَيَّ مِنْ نَفَثَاتِ رُوحِك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . أَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ قَطَرَاتِ نَدَاك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . جُودُكَ عَمَّ الأوطَان . . .
فَأرْسِلْ عَلَيَّ مِن سَحَائبِ جُودِك . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . . نَسَمَاتُ هَوَاءِكَ سَبَقَتْ هَوَاءك . . .
فَانْفُثْ فِيَّ مِنْهَا الجَمِيل . . .
وَغَذِّ بِهَا فُؤَادي العَلِيل . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . جَنَاحَاكَ أَظَلَّتْ شُمُوساً مُحْرِقةً . . .
فَأَبْرِدْ عَلَيَّ هُمُومِي . . .
أَيُّهَا الصَّبْرُ . . اِحْمِلْ رُوحِي اِلى صَفَاءِ سَمَائك . . وَجَمَالِ نَظَرَاتِك . . .
إلى . . . أسطــــورة ..
(( الخيــــــــال الجميـــــــل ))
فـائق أمنيــــاتي ..
بقلـــــم .. الخيــــــــال